«

»

أبريل
19

مصراتة تكتب بالدم

جدران مهدمة يكسوها السواد.. بيوت سويت بالأرض..ركام أنقاض يرتفع ويخفي خلفه دمارا شاملا.. شظايا قنابل وصواريخ وطلقات مدفعية.. بقايا قنابل عنقودية..فتحات في الحيطان.. أطفال يبكون.. جوع وعطش وجثث في الشوارع تعلن أن الموت مر من هنا.

إنها مصراتة..الشاهدة والشهيدة…

مصراتة التي تذبح على مرأى ومسمع العالم وما يسمى “المجتمع الدولي الحر”، رغم قرارات ودعوات حماية المدنيين من القتل والإبادة والمجازر وسفك الدماء، على يد السفاح الذي أبى أن يشرب الدم إلا في جماجم أطفال مصراتة.

مصراتة الصامدة منذ ستين يوما في مواجهة كتائب القذافي المسعورة التي تعشق سفك الدم وبناء المجد لمعتوه، يعتبر نفسه إلها، على أشلاء القتلى،..إنها تنزف والعالم ينظر وينتظر ولا يحرك ساكنا لوقف آلة القتل الدامية لمجرم الحرب.

لا أريد أن أتحدث بالسياسة الباردة التي تحول البشر إلى مجرد أرقام، ولا بلغة المصالح الدولية والمساومات، التي يدفع ثمنها أهل مصراتة من دمائهم وحياتهم وحياة أطفالهم ونسائهم، ولكنني أريد أن اكتب بلغة من ينزف، ومن يحتضر، ومن يجوع، ومن يبكي في هذه المدينة العظيمة التي تحطم على أسوارها مجد المعتوه المتآله وآلته الدموية القاتلة.

باسم شهداء مصراتة، وباسم الجرحى والنازفين، باسم الثكالى والأرامل، باسم الأيتام والمشردين، باسم من قصفت بيوتهم، وهدمت مخابزهم، باسم من سممت آبارهم ومياههم، باسم من يقتلون بالقنابل العنقودية والصورايخ وقذائف الراجمات، باسم الذين دمرت مصانع ألبانهم.. باسم كل هؤلاء أقول للعالم:” أنت لا تستحي ولا تخجل“.. تتاجرون بالحرية وحقوق الإنسان وحماية المدنيين، وتتركون أهل مصراتة يقتلون ويموتون.

باسم كل المصراتيين أقول للأنظمة العربية “تبا لكم“، ماعرفناكم إلا خائرين، تستأسدون على شعوبكم وتهزمكم العصابات اليهودية في ست ساعات.. هل تذكرون الحرب التي سماها اليهود حرب الأيام الستة عام 67.. لم تكن ستة أيام، بل كانت ساعات ينطبق عليكم قول الشاعر “أسد علي وفي الحروب نعامة”.

مصراتة التي دخلت التاريخ مثل عكا التي هزمت نابليون، وليننغراد التي صمدت في وجه هتلر ودفعته للانتحار، وهانوي التي مرغت وجوه الأميركيين بالوحل، وبيروت التي صمدت في وجه شارون، وجنين التي واجهت الموت الإسرائيلي ثلاثة أسابيع، وغزة التي قاومت الفسفور الأبيض.. مصراتة مثل هذه المدن جميعا تقف في وجه الموت الأسود القادم من زفرات ملك الدم القابع في طرابلس الرهينة.

لا مساومة بعد اليوم، ولا صوت خافت.. فكلنا نشارك بقتل مصراتة بجبننا وخوفنا ورعبنا ولا مبالاتنا.. كلنا شركاء في الجريمة.. أفضلنا يشاهد التلفاز ويدمع وأردانا لا يريد أن يعرف شيئا، ولا يرغب حتى أن يشاهد صور حمم الموت التي تنهال على مصراتة.

ما قيمة كل القرارات والاستراتيجيات التي لا تستطيع أن تحمى مدنيا واحدا في مصراتة، وما قيمة كل الحبر والإنشاء الأجوف الذي لا يستطيع أن يمنع سفك دماء الأبرياء هناك.. أنه النفاق العالمي والخور العربي، الذي ينظر إلى الجثث دون حتى أن يحصيها، فنحن لا نعد موتانا وقتلانا وشهداءنا.

مصراتة لا تحتاج على الكلام والمؤتمرات والمفاوضات، أنها تحتاج إلى فعل يكبح جماح آلة موت القذافي وكتائبه الأمنية، وهي لا تحتاج إلى سفك الحبر على الموائد في الوقت الذي تنزف فيه ويسفك دمها الذي تحول إلى نهر جار.

ألف شهيد سقطوا.. ثلاثة جرحوا.. ألاف شردوا.. أطفال ماتوا من القصف والرصاص والصواريخ وقذائف الدبابات.. وأطفال يموتون من الجوع والعطش.. كل هؤلاء يحتاجون إلى فعل على الأرض لإنقاذهم وحماية أرواحهم، ومن يراهنون على استسلامهم واهمون، ومن يراهنون على هزيمتهم خائبون، ومن يساومون على دمائهم قتلة مجرمون، ومن ينتظرون سيلحق بهم العار إلى الأبد.. أنه عار التخلي عن نصرة الأخ والشقيق.. عار التخلي عن قيم الدين والعروبة والإنسانية.

لا مكان لحديث السياسة الفارغ والتحليل الأجوف والإنشاء المنمق.. فمصراتة التي تكتب سيرتها بالدم لا تحتاج إلى الكلام لأنها تحتاج إلى فعل كل العرب.. أيها العرب.

المصدر: الشرق القطرية

أضف تعليق

Your email address will not be published.

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>